كانت السماء ملبدة بالدخان، وأصوات الانفجارات تهز الأرض تحت أقدام يحيى. منذ أسابيع، لم تهدأ الطائرات، ولم تتوقف المدافع. المدينة تحترق، والجميع يراقبون من بعيد، لا أحد يمد يد العون، كأن غزة تقاتل وحدها ضد العالم بأسره.
في أحد الأزقة الضيقة، كان يحيى يتنقل بحذر بين الأنقاض، يحمل بندقيته القديمة ويختبئ خلف جدار محطم. في أذنه، كان صوت القائد عبر اللاسلكي يهمس:
"لقد انسحب الجميع... لم يبقَ إلا نحن."
تنهد يحيى بمرارة. كان يدرك أن الدول العربية لن تتحرك، لن ترسل الجيوش، ولن تُفتح المعابر، لكنه لم يكن بحاجة إليهم. فمنذ طفولته تعلم أن الحق لا ينتصر بالعدد، بل بالعزيمة.
عند الفجر، بدأ الاجتياح البري. الدبابات تزحف كوحوشٍ معدنية، وجنود الاحتلال يتقدمون بحذر، لكنهم لم يعرفوا أن الأزقة الضيقة تحولت إلى مصيدة. عندما عبرت أول دبابة، ضغط يحيى الزر، فانفجرت عبوة محلية الصنع، وتطايرت الدبابة إلى قطع، فدب الذعر في صفوف العدو.
تحولت المعركة إلى حرب شوارع. كان المقاومون قلة، لكنهم قاتلوا كأنهم جيش كامل. من نافذة مهدمة، أطلق يحيى النار على جندي كان يحتمي خلف جدار، فأرداه أرضًا. تحرك بسرعة إلى موقع آخر، متجنبًا قذيفة سقطت بالقرب منه.
لكن الأعداد كانت ضدهم. واحدًا تلو الآخر، سقط رفاقه، حتى بقي وحده في الزقاق الضيق، أنفاسه متقطعة، وذخيرته أوشكت على النفاد. سمع صوتًا خلفه، التفت بسرعة، فوجد جنديًا يصوب سلاحه نحوه. للحظة، التقت أعينهما، جندي مدجج بالسلاح، وشاب يحمل بندقية شبه فارغة.
ابتسم يحيى ابتسامة صغيرة، ثم قال بصوت ثابت:
"قد تقتلني، لكنك لن تقتل القضية."
قبل أن يضغط الجندي على الزناد، دوى انفجار ضخم في المكان، فانهار الجدار فوقهما.
في اليوم التالي، تصدرت الأخبار عنوان صغير: "مقاوم أخير صمد حتى الرمق الأخير في غزة."
وفي العواصم العربية، مر الخبر عابرًا بين مباريات كرة القدم، والمسلسلات الترفيهية، وخطب الساسة الفارغة. أما في غزة، فقد حُفر اسم يحيى في ذاكرة المدينة، ليس كجنديٍ سقط، بل كأسطورةٍ سترويها الأجيال القادمة.
