الرحلة فردية

مجدي هندي
المؤلف مجدي هندي
تاريخ النشر
آخر تحديث

جلس "عمران" في غرفته المظلمة، يحدّق في السقف بعينين زائغتين. الصمت يملأ المكان، إلا من صوت أنفاسه المتقطعة. في هذه الليلة، شعر أن شيئًا ما في داخله قد انكسر، لكنه لم يكن يعرف ما هو بالضبط.

كان قد عاش حياته كما يشاء، متنقلًا بين الملذات، غير مكترث بأي شيء سوى سعادته المؤقتة. لم يكن يذكر آخر مرة صلى فيها، ولا متى وقف بخشوع أمام الله. كانت الدنيا تبتسم له دائمًا، لكنه لم يدرك أنها لم تكن إلا ابتسامة خادعة.

في تلك الليلة، جاءه اتصال قلب كيانه رأسًا على عقب. كان صديقه المقرب، "سليم"، قد توفي فجأة. بالأمس كانا يضحكان سويًا، واليوم صار سليم تحت التراب. كيف يمكن للحياة أن تكون بهذه القسوة؟ كيف يمكن لشخص أن يختفي فجأة، وكأنه لم يكن هنا يومًا؟

حضر الجنازة، لكنه لم يشعر أنه في هذا العالم. كل شيء بدا وكأنه حلم ثقيل. عندما رأى النعش يُحمل على الأكتاف، شعر ببرودة غريبة تسري في جسده. وعندما بدأ الدفن، وقف بعيدًا، يراقب بصمت. كان الجميع يرفعون أيديهم بالدعاء، لكنه لم يستطع أن يحرك شفتيه.

اقترب من القبر، نزلت دمعة ساخنة على خده، وهمس في نفسه:
"الرحلة فردية يا سليم… ذهبت وحدك، وسأذهب وحدي يومًا ما."

في تلك الليلة، لم يستطع النوم. ظلّ يفكر في سليم، في الموت، في الحساب. تذكر كيف كان يسخر من نصائح والدته حين كانت تحثّه على الصلاة، وكيف كان يؤجل التوبة مرارًا وكأن العمر ملكٌ له. لكنه الآن يدرك الحقيقة التي كان يتجاهلها طوال حياته: لا أحد يضمن متى ستكون نهايته.

مع أذان الفجر، نهض من فراشه، توضأ لأول مرة منذ سنوات، وسجد لله. بكى طويلًا، شعر وكأن قلبه كان قاسيًا لسنوات، والآن بدأ يلين. أدرك أن كل شيء زائل، وأن الرحلة إلى الله حتمية… لكنها فردية. لا أحد سيحمل عنه ذنوبه، ولا أحد سينقذه إلا عمله الصالح.

في الصباح، زار قبر سليم مرة أخرى، وقف أمامه، قرأ الفاتحة، ثم قال بصوت خافت لكنه عميق:
"سأعود إلى الله، لأنني لا أريد أن أصل إلى هنا فارغ اليدين."

تعليقات

عدد التعليقات : 1