كانت الليلة حالكة السواد، لكن غزة اعتادت الظلام. لم يكن فقط ظلام الليل، بل ظلام الخذلان، ظلام الصمت العربي، ظلام الخيانات التي تحيط بها من كل صوب. وسط هذا الظلام، كان يحيى يجلس في نفقٍ ضيق، يتنفس بصعوبة، يضبط سلاحه المهترئ، وينتظر الإشارة للانطلاق.
قبل ساعات، اجتمع القائد بالمقاومين المتبقين في القبو الوحيد الذي لم يصل إليه القصف بعد. نظر في وجوههم واحدًا تلو الآخر، ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه حاد كالسيف:
"لا نحتاج إلى أحد، لا ننتظر أحدًا. نحن كنا هنا منذ البداية، وسنبقى هنا حتى النهاية."
كان الاحتلال قد بدأ اجتياحه البري، والجميع يعلم أن لا مدد قادم، لا طائرات عربية، لا جيوش جرارة، لا قمم طارئة. فقط هم، بأسلحتهم المتواضعة، وأيمانهم الراسخ كالصخر.
تحرك يحيى مع رفاقه عند الفجر. الشوارع كانت خاوية إلا من الركام، الدبابات تجتاح المدينة ببطء، والجنود يمشون بحذر، كأنهم دخلوا أرضًا تبتلع من يغزوها. في الزاوية، خلف جدار محطم، انتظر يحيى اللحظة المناسبة، ثم ضغط زر التفجير، فانقلبت أول دبابة، وبدأت المعركة.
كانت حرب شوارع، رصاصة برصاصة، دم بدم. أطلق يحيى النار على مجموعة من الجنود قبل أن ينقض إلى زقاق ضيق. خلفه، كان رفاقه يسقطون واحدًا تلو الآخر، لكنه لم يتوقف. في اللاسلكي، جاء صوت أحد المقاتلين:
"لقد خسرنا المبنى الشرقي!"
"لا يهم، لا زلنا نقاتل!" ردّ يحيى بثبات.
لكن الأعداد كانت هائلة، والذخيرة أوشكت على النفاد. في لحظة، وجد نفسه محاصرًا في أحد الأزقة، خلفه جدار، وأمامه جنود الاحتلال يتقدمون. كان بإمكانه الاستسلام، كان بإمكانه أن يسقط سلاحه، لكنه لم يفعل.
ابتسم، رفع بندقيته، وأطلق آخر رصاصاته قبل أن تخترق جسده عدة طلقات. سقط على الأرض، لكنه لم يشعر بالألم، بل شعر بالبرد... وبرضى غريب.
في اليوم التالي، انتشرت صورة يحيى على الجدران المحطمة، تحتها كُتب:
"وحدنا قاتلنا، وحدنا صمدنا... لكننا لم نسقط."
