إلى ابنتي التي لم تأتِ بعد
صغيرتي، سلامٌ لقلبك.
سألني أحد الأصدقاء صباحًا:
"كم طفلًا تود أن يصبح لديك في المستقبل؟"
ابتسمت بخفة، هززت كتفيّ، وقلت بهدوء:
"سأقرر ذلك بعد عقد القران."
ضحك، ثم أضاف بلمحة مازحة:
"إذن القرار الأول والأخير لزوجتك المصونة!"
أتعلمين، صغيرتي؟
حين أفكر في مستقبلي، أراكِ دائمًا في قلبي، كأنكِ محور كل تلك الأحلام التي لم أجرؤ على الحلم بها في صغري. الأبوة ليست مجرد مسؤولية؛ إنها عالمٌ بأكمله، مليء بالفوضى الجميلة، التحديات، والحب الذي لا يمكن وصفه.
قبل أن تأتين، أريد أن أعيش مع أمكِ رحلةً من الجنون والسعادة.
نطارد أحلامنا الصغيرة المؤجلة، نجرب كل ما حُرمنا منه، نضحك بصوتٍ عالٍ دون خوف، ونرتكب الحماقات التي ندمتُ يومًا على عدم ارتكابها.
أريدها أن تكون مغامرةً وصديقةً قبل أن تكون أمًا.
أمكِ...
تلك المرأة التي لم ألتقِ بها بعد، أتمناها قوية، ذات قلبٍ جامح وروحٍ متفرّدة.
أتمناها امرأة لا تخشى أن تعيش كما تحب، أن ترفض الأعراف حين تعيقها، وأن تواجه العالم بابتسامتها وحدها.
تخيلتها دومًا امرأةً مختلفة، تعرف قيمتها جيدًا، ولا تحتاج تأكيدًا من أحد على جمالها أو ذكائها.
ربما تقرأ هذه الكلمات الآن، وربما تبتسم، أو ربما تمرّ عليها كأنها لم تكن. فأنا أعلم أن قوة قلبها تجعلها تختار الكلمات التي تُحدث فرقًا فقط.
صغيرتي، أكتب لكِ الآن لأن الكتابة هي طريقتي الوحيدة لتجاوز المسافات بين الحاضر والمستقبل.
أردت أن أملأ هذه الرسالة بالأخبار السعيدة، لكنني اليوم أجد نفسي مثقلًا بذكرياتٍ لا تُسر، ومواقف أتمنى لو أنها لم تحدث.
بالأمس، مررت بتجربة كانت كفيلة بأن تجعلني أشك في كل شيء.
تخيلي أن تقضي سنواتٍ من عمركِ تصنع شيئًا، ثم تراه يُقيَّم بعيونٍ لا تعرف قيمته الحقيقية.
كان شعورًا يشبه السقوط من مكانٍ عالٍ دون أن تملك يدًا تتمسك بها.
لكن، صغيرتي، أعدكِ أنني لن أدع الخيبة تُسكنني طويلًا.
سأنهض، لأنني أريد أن أكون الأب الذي تستحقينه.
أريد أن أصنع من نفسي الشخص الذي تفخرين به حين تقرئين هذه الكلمات.
أعلم أن اللقاء بكِ قد يطول
وأن القدر قد يحمل لنا مفاجآتٍ لا نعلمها.
لكنني أكتب لكِ الآن، لأخبركِ أنني هنا، أحاول أن أصنع عالمًا أجمل من أجلكِ.
قبل أن أنهي، أود أن أخبركِ شيئًا قد لا تجدينه في كثيرٍ من الآباء:
أنا لست مثاليًا، صغيرتي. خلف قناعي اللطيف هناك رجلٌ عنيد، يخشى الفقد والخذلان.
لكنني رغم ذلك، أعدكِ أنني سأبذل كل جهدي لأختار لكِ أمًا تليق بأن تكون السند الذي تحتاجينه، والبيت الذي تلجئين إليه حين تهبين عاصفة الأيام.
مشاغل الحياة تهتف باسمي الآن، لكنني سأظل أكتب لكِ كلما استطعت.
فأنتِ لستِ مجرد فكرة عابرة، بل حياةٌ أنتظرها بكل حب.
سلامٌ من الله عليكِ يا صغيرتي.
